عبد الرحمن بدوي

107

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

أن يكون الإنسان تائها ذوّاقا فيحصل على رتبة الخساسة والدناءة ، وإمّا أن يرضى برتبة صالحة من رتب الدنيا مع الصبر عليها ، فيحصل على مقاساة المرارة مدّة مقامه في عالم الطبيعة . ولأكل المرارة مع اكتساب الشرف والعز « 1 » خير من أكل الحلاوة مع اكتساب الخساسة والدناءة . يا نفس ! إن غرض الحق وقضاء « 2 » العقل أن تكون الأشياء على ترتيبها الطبيعي ثابتة « 3 » . فإذا كانت كذلك فما أحسنها وأجملها وأعدلها ! وذلك كالصانع الذي ينبغي له أن يكون هو الذي يستعمل الآلة ، لا الآلة تكون مستعملة له ؛ وكالفارس الذي ينبغي أن يكون هو « 4 » مدبّر الفرس ويجريه ويروضه ، لا أن يكون الفرس يدبّر الفارس ؛ وكالسلطان الذي « 5 » يجب أن يكون هو مدبّر الرعية والسائس لها ، لا أن تكون الرعيّة تدبّره وتسوسه . فإذا جرت هذه الأشياء على كيانها الطبيعي « 6 » ظهر الحقّ والعدل الحسنان الجميلان . وإذا انعكست بالضدّ والخلاف ظهر الشرّ والجور القبيحان الرديئان . يا نفس ! إن كان الجسد بالنفس يحيا وبها يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس ، فقد وجب ضرورة الإقرار بأن الجسد آلة النفس . ومن القبيح أن تكون الآلة تدبّر الصانع وتستعبده ؛ فإن الصانع « 7 » المدبّر ، لا الآلة ، لأن الجاهل إذا اتخذ آلة اشتغل بتزيينها « 8 » وتزويقها وترفيهها - عن « 9 » استعمالها والاكتساب بها ثم يحصل على عبادته لها ، فحينئذ ينقلب الحقّ باطلا ، ويصير العدل جورا ، والحسن الجميل قبيحا سمجا « 10 » ، إذ يصير الحىّ البصير السميع العاقل الشريف عبد الميّت الأعمى الأصمّ « 11 » الجاهل الخسيس .

--> ( 1 ) ص ، س : وأكل . . . الشرف خير . . . ( 2 ) أي ما يقضى به العقل . - وفي ص ، س : وشقاء النفس العقل أن . . . ( 3 ) ثابتة : وردت في ن ، ص ، س ؛ وناقصة في سائر النسخ . ( 4 ) ب : ينبغي له أن يدبر الفرس . . . ( 5 ) ب : الذي من الواجب أن يكون . . . ( 6 ) ب : كياناتها الطبيعية - وما أثبتنا في ص ، س . ( 7 ) لا الآلة لأن : ناقصة في ص ، س . ( 8 ) ب : بزينتها - وما أثبتنا في ص ، س . ( 9 ) ص ، س : على . ( 10 ) سمعا : ناقصة في ص ، س . ( 11 ) ص ، س : الأعمى الابكم الجاهل الخسيس .